خرج الدكتور، وطلب مني أتكلم معاه بعيد عنها. قال: “حالة سحر محتاجة متابعة دقيقة. هي ضعفت جدًا، وفيه حاجات لازم نعمل لها فحوصات عشان نعرف سبب التدهور. وجود حد معاها ومتابعة الأدوية والأكل والسوائل مهمين جدًا.” سألته: “يعني حالتها خطيرة؟” لكن أنا كنت بقيت أتعامل مع مرضها كأنه حاجة مؤقتة لازم تنتهي، مش حياة إنسانة بتحتاج سند.
وفي ليلة، كنت قاعد عندها في الشقة، بعد ما رجعت من شغل طويل، وكنت شايل هم ديون متراكمة ومصاريف علاج جديدة. سحر كانت قاعدة قدامي، وباين عليها التعب. بصتلي وقالت: “مالك يا مصطفى؟ إنت ساكت من ساعة ما جيت.” قلت: “مفيش حاجة.” قالت: “أنا عارفاك. إنت لما بتكون مهموم بتفضل تلعب في صوابعك كده.
” بصيت لإيدي، ولقيت نفسي فعلًا بعمل كده. ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت: “احكي لي. يمكن أقدر أساعدك.” ضحكت بسخرية من نفسي وقلت: “تساعديني إزاي يا سحر؟ إنتِ محتاجة اللي يساعدك.” نزلت عينيها، وسكتت شوية، وبعدها قالت: “أنا عارفة إني بقيت حمل تقيل عليك.” بصيت لها بسرعة وقلت: “أنا مقولتش كده.” قالت: “بس أنا حاسة. عارفة إنك بتتعب، وعارفة إن عندك بيت وابن، وعارفة إن مصاريف علاجي كتير.
” حاولت أغير الموضوع، لكنها كملت: “أنا فكرت كتير يا مصطفى. ومش عايزة أفضل سبب في تعبك ومشاكلك.” استغربت كلامها، وسألتها: “قصدك إيه؟” رفعت عينيها ليا، وكانت دموعها بتنزل بهدوء. “طلقني يا مصطفى.” حسيت إن قلبي وقف لحظة. سألتها: “إنتِ بتقولي إيه؟” مدت إيديها الضعيفة، وحطتها فوق إيدي.“أنا حاسة بيك. ومش زعلانة منك. طلقني، وإحنا الاتنين هنرتاح.” بصيت لها، وحاولت أقرأ اللي ورا الكلام.
كانت بتتكلم بهدوء غريب، لكن دموعها كانت بتنزل واحدة ورا التانية. سألتها: “إنتِ متأكدة؟ يعني مش هتندمي؟” ابتسمت ابتسامة مكسورة وقالت: “أنا ندمانة على حاجات كتير في حياتي، بس مش ندمانة إني حبيتك.” الكلام دخل قلبي، لكن بدل ما أراجع نفسي، مسكت في الجزء اللي يريحني. قلت: “طب وإنتِ هتعملي إيه؟ هتعيشي إزاي؟” قالت: “ربنا موجود، وأنا ليا أهل وجيران. وبعدين أنا مش بطلب منك تسيبني من غير علاج، ولا بطلب منك تبطل تساعدني.
أنا بس مش عايزة أفضل مراتك وإنت عايش حياة تانية.” سكتُّ. لأنها قالت الحقيقة اللي كنت بهرب منها. كنت عايز أعيش مع ندى وابني من غير ما أحس إن فيه حد مستنيني في البيت التاني، ومن غير ما كل جنيه أدفعه لسحر يفتح باب خناقة جديدة. وفي اللحظة دي، بدل ما أتمسك بيها، وافقت. قلت: “لو ده هيريحك، أنا موافق.” هزت راسها، ودموعها زادت. وفي اليوم اللي بعده، تم الطلاق.
مضيت على الورق، وخرجت من المكتب وأنا حاسس براحة غريبة. قلت لنفسي إن سحر هي اللي طلبت، وإن أنا مكنتش هجبرها تعيش معايا، وإن كده كل واحد فينا بقى حر. رجعت البيت، ولقيت ندى بتستقبلني وهي شايلة ياسين. سألتني: “عملت إيه؟” قلت: “اتطلقنا.” بصتلي شوية، وبعدها قالت: “خلاص؟” قلت: “خلاص.” ابتسمت، وقالت: “الحمد لله.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.